محمد أبو زهرة
3982
زهرة التفاسير
وعلى ذلك ففي التعبير بالظلمات والنور استعارة ، تشبيه الضلال بالظلمة ؛ لأن السائر فيها كالسائر في ظلام لا يعرف طريقه فيكون في حيرة دائمة لا ينتهى فيها إلى حق واضح ولا إلى طريق لاجب ، وشبهت الهداية بالنور ؛ لأن من هداه اللّه تعالى يكون في نور يعرف به طريقه الهادي المرشد إلى أقوم طريق وأهدى سبيل . وقد عرف اللّه سبحانه وتعالى بالبيان إلى أن النور صراط اللّه العزيز الحميد . الصراط : الطريق المستقيم ، وهو أقرب طريق للوصول إلى الحق ، وهو في هذا الوصف العظيم مضاف إلى اللّه تعالى فيزداد شرقا وتكريما ، وهو صراط العزيز الذي لا يقهر ، وهو فوق كل شئ والغالب على كل أمر وحده ، ومن سلك طريق الحميد ، فإن العاقبة فيه محمودة ، فهو محمود في ذاته ومحمود في غايته ونهايته . ومن سلك غيره ذل ، ولا يحمد العاقبة ، والعاقبة هي السوأى . وقد ذكر سبحانه القلوب المظلمة ، فقال عزّ من قائل : اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ ( 2 ) . صدر سبحانه الجملة التي فيها كمال سلطان اللّه تعالى في الوجود بلفظ الجلالة ، لتربية المهابة في نفس القارئ ؛ ولأن ذلك يتلاقى مع سلطان اللّه الكامل ، و لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ للدلالة على ملكيته لكل ما في السماوات ، وتكرار ما فِي لدلالة على كمال استغراق الملكية له سبحانه وتعالى ، وهو على كل شئ قدير ، مالك كل شئ ، وذكر سبحانه ملكيته لما في السماء والأرض وذلك يقتضى ملكيته لهما ؛ لأن ملكية ما يشتملان عليه يقتضى - لا محالة - ملكيتهما ، إذ ملكية المظروف تقتضى ملكية الظرف ، وإن الملكية الكاملة لهذا الوجود كله بما فيه من أجرام ، وأحياء عاقلة وغير عاقلة يتضمن أنه يملك الأنداد ، وأنها وعبادها في قبضته سبحانه العليم بكل شئ ، وفي ذلك برهان قاطع أنها غير جديرة بالعبادة ؛ ولذا قال سبحانه وتعالى بعد ذكر سلطان اللّه تعالى في الوجود